الفيس بوك

العقيدة الإسلامية من علم الكلام إلى كلام الجهل

أحد, 02/19/2017 - 19:44
الكاتب : سيد احمد السالك

في يوم من أيام الإيمان و العلم و إحدى الليالي التاريخية في عمر الكون العاقل أوحى الله على أحد أولى العزم من الرسل على سبيل حكمته و علمه منهجا ربانيا ثم سمى ذلك المنهج حجة و أضافها إلى نفسه ( و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ) كان ملخص تلك الحجة و جوهرها أنها نظرٌ  في أحوال الكواكب الآفلة و الأقمار السائرة و الشموس الساطعة توسلا بذلك إلى معرفة خالقها فيما أكدت آية أخرى نفس المسلك ( سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) ثم أرسل الله رسله تترى كل ما جاء أمة رسولها جعل أولى مهامه تنبيه عقولهم إلى وجود خالق الكون فاطر السماوات و الأرض.
و ظلت تلك قضية القرآن و قطب رحى الأديان و لما امتد حبل الهدى بأمة المصطفى صلى الله عليه وسلم و حملت لواء الأستاذية في العالم بدأت نخبة الأمة تقدم دروس الحق للخلق و تضع بذرة ما يصلح المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله فوضعت لذلك سيد العلوم اقتباسا من جملة القرآن و تفصيله ذلك العلم الذي ظلت تلعنه آلهة الإلحاد و تشتكيه تجارة الأوهام و لأسباب ـ مما يُمَلُّ ذكره ـ سموه ـ أو سمي على الصحيح ـ بـ" علم الكلام ".
و بالنظر إلى مهمة الرسل في إثبات حقائق الدين أولا و ثانيا إلى الطريقة المتبعة في ذلك من إيراد الحجج ( و تلك حجتنا) و دفع الشبه ( و لا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا) وضع ورثة الأنبياء و أساتذة العالم تعريفا لعلم "حجة الله" فقالوا " علم الكلام : علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج و دفع الشبه" كما للأيجي في كتاب المواقف.
هذا و قد ظلت الرؤية في علم الكلام قرآنية واضحة ،  و مؤصلة متينة ، بدأت بإثبات وجود الحقائق ثم بإثبات إمكان العلم بها ثم بوصف حقيقة العلم نفسه ما هو ثم بتعريف أداة العلم أي العقل ثم بإثبات حدوث العالم و منه إلى إثبات و جود الصانع و قالوا قولة إبراهيم ـ إذ كان أمة قانتا لله حنيفا ـ بعد أن نظروا في الملكوت ( إني و جهت و جهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين ).
و الناظر في هذه الأسس بعين البصيرة يشعر حقا أن العلماء هنا كانوا يبنون بنيانا لأنفسهم و لأحفادهم لا يريدون بحال أن ينهار أو يتهدم لا على رؤوسهم أو رؤوس أي من الأحفاد فحفروا له في تربة القرآن على أعمق ما تناله العقول البشرية و أمدوه بماء الدرس و اعتقدوا فيما اعتقدوا أن من الواجب على كل قرن تجديده و نشره و تلقيح عقول الناشئة به ضد حائمة النحلة و كاسدة الأفكار و ملاحقة العقول المتجددة به ( صبغة الله و من أحسن من الله صبغة ).
يقول محمد عبده رحمه الله في كتاب التوحيد "وتقرر بَين الْمُسلمين كَافَّة إِلَّا من لاثقة بعقله وَلَا بِدِينِهِ أَن من قضايا الدّين مَالا يُمكن الِاعْتِقَاد بِهِ إِلَّا من طَرِيق الْعقل كَالْعلمِ بِوُجُود الله وبقدرته على إرْسَال الرُّسُل وَعلمه بِمَا يُوحى بِهِ إِلَيْهِم وإرادته لاختصاصهم برسالته وَمَا يتبع ذَلِك مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ فهم معنى الرسَالَة و كالتصديق بالرسالة نَفسهَا كَمَا أَجمعُوا على أَن الدّين إِن جَاءَ بشىء قد يَعْلُو عَن الْفَهم فَلَا يُمكن أَن يأتى بِمَا يَسْتَحِيل عِنْد الْعقل"ص6 دار الكتاب العربي.
و لم يزل علماء الأمة في طريقهم الممتدة عبر ألف و ثلاثمئة عام يرون في سبيل الحق واقفا يذم لهم علم الكلام يعني في أغلب الأحيان صورة في ذهنه هو لا تصدق عليه يدعي بها أنه هو الفلسفة اليونانية و أنه مناقض للإيمان و أن العقل و نظره نقيض للنقل و التسليم به ولم يخل قرن من القرون و لا حقبة من الأزمان من مردد لهذا الدعوى مذيع لها متعصب في سائر أحواله لها و مفتر على الأئمة أقاويل مطابقة لها و ربما على رسول الله صلى الله عليه و سلم كما روي موضوعا بواسطة نعيم بن حماد رحمه الله " تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام و يحرمون الحلال " و قد جاء من بعده في كل قرن ثلة تقول مثل مقاله و تنسج على منواله حتى أصبح يخيل إلى كل مسلم أن علم الكلام هو الكفر أو هو البدعة أو هو الفلسفة اليونانية فتركوا علم الكلام سدى بعد أن علموا يقينا أنه هو عينه الفلسفة اليونانية و أنهم إنما كانوا يظنونه طريقة القرآن بواسطة سحر سحرهم به المتكلمون ربما من سحر البيان أو سحر هاروت و ماروت .
قال ابن المقفع"زعموا أن ناسكا اشترى عريضا ضخما ليجعله قربانا فانطلق به يقوده فبصر به قوم من المكرة فائتمروا بينهم أن يأخذوه من الناسك فعرض له أحدهم فقال له أيها الناسك ما هذا الكلب الذي معك ثم عرض له الآخر فقال لصاحبه : ما هذا ناسكا؛ لأن الناسك لا يقود كلبا. فلم يزالوا مع الناسك على هذا و مثله حتى لم يشك أن الذي يقوده كلب و أن الذي باعه إياه سحر عينيه فأطلقه من يده..."
و بينما كانت العقيدة الإسلامية في حراسة علم هو علم الكلام آلت العقيدة في الحراسة و الذود عنها إلى كلام مجرد عن العلم بل و عن الفهم بل و عن العقل بل إلى جهل هو جهل الكلام فغاب من العقول الدينية أداة العلم فخلصت للمقولات الجاهزة دون برهان فتكالبت الشبهات على عقول الناس و غابة الحجة عن ساحة العلم و غدت العقيدة كلاما بلا علم بعد أن كانت "علم الكلام".
ثم قالت أوهام المتوهمين و رغبات الملحدين " خلا لك الجو فبيض و اصفري " فباضت الأوهام عقيدة الكنائس في كون الله على صورة آدم فقال الملحدون كلا هذا ليس ربا إنه إنسان فلا رب إنما هي الطبيعة و الإنسان سيدها فإن كان من رب فلا رب سواه.

(لَبِئْسَ ما كانوا يصنعون)