الفيس بوك

الباحث الموريتاني ولد جعفر يكتب: موت السياسة العربية (صورة)

جمعة, 06/23/2017 - 18:33
الباحث الموريتاني الدكتور مولاي أحمد ولد جعفر

موت السياسة هو وجه للفعل السياسي الهائم  بلا بوصلة، هو السياسة عند ما تكون بلا منطلقات ولا أهداف ولا معيارية تلهمها، وهو انعدام الخطابات أو خلطها إن وجدت، ثم هو أيضا بمعنى مشكل: السياسة بلا ساسة، والمعارك بلا قادة، وهو بمعنى نظري أشمل انفصام "القوة" عن "المعنى" بعبارة زكي العايدي.

ظهرت مقولة "موت السياسة" في الفكر السياسي المعاصر كشهادة على فقدان "المعنى" في سياسة ما بعد الحرب الباردة، حين انخرمت معادلة الصديق والعدو عالميا على مستوى العلاقات الدولية، وحين اختفت الفروق بين "اليمين" و"اليسار" في تسيير الديمقراطيات الغربية، ولم يعد لاختلافها  أي معنى، فأضحى القطب الواحد تائها لا يجد تفسيرا ومبررا لما يقوم به، وغدت الديمقراطيات روتينا سياسيا ممجوجا من قبل الرأي العام، فانعكست قاعدة كارل اشميت الشهيرة في تحديد ما هو سياسي، وهو من بيّن منذ الخمسينات أن سياسة جديرة بأن تسمى كذلك هي التي تستثمر التعارض بين "الصديق" و"العدو"، وأن عالما ينعدم فيه التمييز بوضوح بين الصديق والعدو هو عالم بلا سياسة.
هذا البراديغم التحليلي للسياسة المعاصرة يتجلى بوضوح نادر في الأزمة الخليجية الحالية في كل أوجهها، في طبيعة خطابها، وفي طبيعة الفاعلين فيها، وفي فعل مؤسساتها، وفي طبيعة جماهيرها، ويتجلى بشكل أكبر في أسبابها الضبابية، وسيتجلى في نتائجها الصفرية قوميا، فما يحدث  الآن خليجيا وبالتالي عربيا هو أول تحرك سياسي عربي بلا سياسة، هو باكورة موت السياسة العربية.
دشن العرب عصر "موت السياسة"  حينما جثمت سفينة سياساتهم على شاطئ التيه الذي هيئت له  النتائج الكارثية  لحدثي احتلال العراق والربيع العربي على خلاف من نبوءاتهما السياسية، فالتيه هو العنوان الجامع لحالة السياسة العربية الآن، تيه الخطاب، وتيه الجماهير، وتيه القادة، وتيه المؤسسات الإقليمية، فما من أحد قادر على تفسير ما يحدث، ولا من أحد قادر على اتخاذ موقف أصيل، وما من أحد قادر على إبداع حلم سياسي،  لقد تتشابكت الصدمة والحيرة مع الشك والاستسلام أمام  كل شيء، فما الذي قتل السياسة عربيا؟.
أولا: تموت السياسة عندما تختفي الرؤى الكبرى، وعندما تموت التصرفات المولدة الدلالة، والساسة الكبار: مفكرين وقادة (من دون أي موقف معياري) هم من يحمل الفكر السياسي في شكل رؤى كبرى وخطابات مُوحية، والعالم العربي الآن بلا فكر وبلا قيادة من ذلك الطراز، فأزمة الخطاب بانت عن نفسها في انحسار ما صار منه كلاسيكيا: المحافظ، والثوري (اليساري، القومي، الإسلامي ألإخواني)، دون بديل مقنع يحمل أملا وتصورا، فالنموج الفكري السياسي الجديد المعلن من قبل داعش وشقيقاتها، والذي اشرأبّ ليكون آخرا للخطابات السابقة؛ لم يحمل الوهج المطلوب في الأفكار، ولا السحر المطلوب في الخطابات، ولا الطموح المطلوب في السياسة، لأنه بلا وعي ولا تدبير، فأضحى صيغة عدمية للثورة. 
ثانيا: تموت السياسة عندما تكون بلا ساسة، والعالم العربي اليوم بلا ساسة، فقد غاب نموذج الزعيم الملهم، دون أن يستبدل بنموذج الرئيس التقني الذي تولده الديمقراطيات، قادة العالم العربي القائمين اليوم هم في أغلبهم صور باهتة  للنموذج الكاريزمي، والأدهى من ذلك هو أن هرم عمرهم السياسي منقسم بين فئة الشيوخ العجزة وفئة الشباب المغامر، ومن لم يكن كذلك منهم فهو مسجون في المشاكل الداخلية لبقاء حكمه، وقد زاد من وهنهم وعدم فاعليتهم اختفاء مُغايرهم المُوجّه، أي معادلهم الأيديوجي والسياسي بعد ما تكفلت أحداث ما بعد احتلال العراق والربيع العربي بمحو جناح "الممانعة" من خريطة الفعل السياسي، ليصبح جناحهم "المهادن" قطبا أحاديا، فتبلّدت مقولاته  في تكرار صيغها السابقة، فتهافتت بذلك، لأن ذلك جاء على شكل تآكل ذاتي، بعد ما جعلت من نفسها العدو المتبقي.
ثالثا: لقد ماتت السياسة العربية عندما غابت المحاور العربية، وماتت المؤسسات الإقليمية العربية، فهناك سياسة واحدة عربيا اليوم هي سياسة النأي بالنفس عن السياسة، لا على مستوى المنظمات الإقليمية العربية فحسب، وإنما على مستوى الأنظمة أيضا، فأغلب الأنظمة العربية نأت بنفسها عن الحدث، في أول مظهر لعدم تمايز المواقف في أزمة عربية، فاختفت بالتالي المؤسسات الإقليمية، لقد قتلت الأزمة مجلس التعاون الخليجي، ثم جامعة الدول العربية من بعده؛ نظرا لارتهان هذه الأخيرة للأولى منذ سنوات،
رابعا: تموت السياسة عند ما تكون بلا جماهير، فعلى مدى العقود الماضية كانت الجماهير واعية بما يحدث، كانت مواقفها... مظاهراتها.... أمنياتها... خيباتها...مرآة لفهما لما يحدث، سلبيا كان أو إيجابيا، ولإيمانها بموقها منه تأييدا أو مناهضة، واليوم فما من جماهير في المشهد، لا بسبب أن كلا منهم  في شأن قُطْرِيٍ يغنيه، وإنما لسبب انعدام ما "يُغري" في الوقائع، وما "يُلْهم" في الأحداث كما كان سابقا، والأصوات المرتفعة الآن ليست أصوات الجماهير بالمرة، فهي على الأرجح أصوات "القبائل" في نجد، وأصوات "البدون الجدد" الحاصلين على بطاقات الإقامة بالخليج، وانزواء الجماهير العربية راهنا هو إعلان عن دخولها في واقعة  "البله السياسي للشعوب" كما يُوَصِّفُ ذلك كوستورياديس، لكن ليس لسبب جمود المؤسسات السياسية الديمقراطية كما هو في الغرب، وإنما لسبب عجز المؤسسات عربيا، لقد اختفت الجماهير عن ميادينها عندما ماتت السياسة.
إن موت السياسة لا يعني نهاية السياسة كفاعلية بشرية وتصرفات سلطة، وإنما يعني استنفاد نموج سياسي من دون إنضاج لنموذج بديل، فما مآلات بذور الميلاد القادم للسياسة العربية؟